الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المستكبرين الجبابرة في عصرنا ! بناء على هذا فإنهم بعد حرقه كسروه قطعا صغيرة بآلات معينة ، ثم ألقوا ذراته في البحر . والسؤال الآخر هو : هل يجوز إلقاء كل هذا الذهب في البحر ، ألا يعد إسرافا ؟ والجواب : قد يكون مثل هذا التعامل مع الأصنام واجبا في بعض الأحيان ، إذا أريد منه تحقيق هدف أهم وأسمى ، كتحطيم وسحق فكرة عبادة الأصنام ، لئلا يبقى بين الناس مادة الفساد ، وتكون باعثا للوسوسة في صدور بعض الناس . وبعبارة أوضح : فإن موسى ( عليه السلام ) لو أبقى الذهب الذي استعمل في صناعة العجل ، أو قسمه بين الناس بالسوية ، فربما نظر إليه الجاهلون يوما ما نظرة تقديس ، وتحيا فيهم من جديد فكرة عبادة العجل ، فيجب أن تتلف هذه المادة الغالية الثمن فداء لحفظ عقيدة الناس ، وليس هناك أسلوب آخر لذلك وبهذا فإن موسى بطريقته الحازمة وتعامله الجازم الذي اتخذه مع السامري وعجله استطاع أن يقطع مادة عبادة العجل ، وأن يمحو آثارها من العقول ، وسنرى فيما بعد كيف أثر هذا التعامل القاطع مع عباد العجل في عقول بني إسرائيل ( 1 ) . وشخص موسى في آخر جملة ، ومع التأكيد الشديد على مسألة التوحيد ، حاكمية نهج الله ، فقال : إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما فليس هو كالأوثان المصنوعة التي لا تسمع كلاما ، ولا تجيب سائلا ، ولا تحل مشكلة ، ولا تدفع ضرا .

--> 1 - نقرأ نظير هذا التعامل القاطع من أجل قلع جذور الأفكار المنحرفة في شأن مسجد ضرار في القرآن كإشارة سريعة ، وفي التاريخ والحديث بصورة مفصلة ، بأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أمر أولا بحرق مسجد ضرار ، وأن يهدموا الباقي منه ، ويجعلوا مكانه محلا لأوساخ وقاذورات وفضلات الناس ( ولمزيد التوضيح راجع التفسير الأمثل في ذيل الآيات 107 - 110 من سورة التوبة ) .